القائمة الرئيسية

الصفحات

نهاية مرحلة… وبداية مراجعة

 

نهاية مرحلة… وبداية مراجعة

تبدو نهاية الولاية الحكومية وكأنها لحظة مراجعة ثقيلة الإيقاع. فالرجل الذي ظل قريبًا من دوائر القرار لسنوات طويلة، يجد نفسه اليوم أمام مشهد سياسي مختلف، تتبدل فيه التحالفات وتتغير أولويات الفاعلين.

القرب من السلطة يمنح نفوذًا وتأثيرًا، لكنه يضع صاحبه أيضًا تحت مجهر النقد الدائم. ومع اقتراب نهاية الولاية، بدا واضحًا أن طموح الاستمرار لولاية ثانية لم يعد مطروحًا بالقوة نفسها، وأن حسابات المرحلة فرضت إيقاعًا جديدًا، أقل صخبًا وأكثر حذرًا.

تحوّل مفاجئ في الخطاب

قبل إعلان انسحابه من رئاسة الحزب وعدم الترشح لقيادة المرحلة المقبلة، كان الخطاب الرسمي يتسم بنبرة واثقة، تتحدث عن “حصيلة” و”استمرارية” و”أوراش مفتوحة إلى ما بعد 2026”. لكن خلال ساعات قليلة، تغيّر المشهد كليًا، وأُعلن قرار عدم الاستمرار في قيادة المرحلة المقبلة.

هذا التحول السريع أثار تساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية: هل كان قرارًا ذاتيًا يعكس قراءة جديدة للواقع؟ أم نتيجة توازنات أوسع داخل النظام السياسي؟ في كلتا الحالتين، بدا الانسحاب أقرب إلى إقرار بانتهاء دورة سياسية، أكثر منه مناورة تكتيكية.

من عالم الأعمال إلى قيادة الحكومة

لم يصعد أخنوش عبر المسار الحزبي التقليدي، بل جاء من عالم المال والأعمال. وعندما تولى قيادة التجمع الوطني للأحرار، عمل على إعادة هيكلته وتوسيع حضوره الميداني، إلى أن تصدر نتائج انتخابات المغرب 2021 التشريعية وشكّل الحكومة.

جاء هذا التحول بعد عقد من قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة، وهي المرحلة التي ارتبطت باسمَي عبد الإله بن كيران وسعد الدين العثماني. الانتقال كان حادًا من حيث الأسلوب والخطاب؛ من زعامة سياسية ذات حمولة أيديولوجية واضحة، إلى مقاربة تركز على التدبير والنجاعة الاقتصادية.

بين روح الدستور وممارسات الماضي

أُعيد خلال النقاش التذكير بحادثة تعود إلى سنة 2012، في بداية حكومة بن كيران، عقب تفعيل مقتضيات دستور المغرب 2011. الرواية المتداولة تشير إلى أن مراسلة وُجهت مباشرة بشأن تعيينات عليا، قبل أن يُعاد التذكير بضرورة احترام المساطر الجديدة التي عززت صلاحيات رئيس الحكومة.

استحضار هذه الواقعة جاء في سياق الحديث عن التوتر بين ثقافة تدبيرية ترعرعت في مرحلة سابقة، ومنطق مؤسساتي جديد حاول دستور 2011 تكريسه. سواء صحت كل تفاصيل القصة أم لا، فقد أصبحت جزءًا من السردية النقدية التي رافقت مسار الرجل.

نموذج “التدبير بدل السياسة”

يرى بعض المحللين أن تجربة أخنوش تجسد انتقالًا من نموذج الزعيم السياسي ذي الخطاب التعبوي، كما مثّله عبد الرحمن اليوسفي أو بن كيران، إلى نموذج أقرب إلى “المدير التنفيذي” الذي يركز على تنفيذ البرامج وتنسيق السياسات العمومية.

خلال ولايته، أطلقت الحكومة أوراشًا اجتماعية كبرى، أبرزها تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح مناخ الاستثمار. غير أن منتقديه يعتبرون أن هذه المشاريع، رغم أهميتها، لم تُواكب بخطاب سياسي قادر على تعبئة الرأي العام أو احتواء التوترات الاجتماعية.

تمثيلية سياسية أم أزمة تواصل؟

في إحدى القراءات الأكاديمية، أشار عالم السياسة محمد الطوزي إلى أن الإشكال لا يختزل في ضعف التواصل، بل يتصل بطبيعة التمثيلية ذاتها. فالحكومة بدت، في نظر بعض المتابعين، أقرب إلى تجمع لرجال أعمال وتكنوقراط، أكثر منها تعبيرًا عن دينامية حزبية أو نقابية واسعة.

ومع تصاعد أزمات اجتماعية مرتبطة بغلاء الأسعار واحتجاجات في قطاعات حيوية، لم يظهر رئيس الحكومة بخطاب مباشر مكثف يخاطب المحتجين أو يشرح خياراته بوضوح. في زمن الإعلام الرقمي، حيث الحضور والصورة عنصران حاسمان، ساهم هذا الغياب في تعميق فجوة الثقة.

جدل تضارب المصالح

بحكم موقعه كرجل أعمال بارز، ظل اسم أخنوش حاضرًا في نقاشات حول العلاقة بين الثروة والسلطة. الجمع بين إدارة مجموعة اقتصادية كبرى ورئاسة الحكومة أثار أسئلة حول تضارب المصالح، خاصة في ملفات حساسة كالمحروقات والدعم.

منتقدوه اعتبروا أن هذا التداخل يضعف صورة الحياد، بينما يرى مؤيدوه أن خبرته الاقتصادية منحت الحكومة قدرة على طمأنة المستثمرين والشركاء الدوليين، وساهمت في الحفاظ على استقرار مناخ الأعمال.

علاقة معقدة بالإعلام

أثير كذلك نقاش حول علاقة الحكومة وبعض وسائل الإعلام، خاصة في ما يتعلق بالإشهار العمومي. إحدى القضايا التي أُعيد تداولها تعود إلى 2016، حين توقفت إعلانات عن صحيفة “أخبار اليوم” بقرار من جهة عمومية، وهو ما اعتبره منتقدون مؤشرًا على هشاشة استقلالية الصحافة في مواجهة السلطة التنفيذية.

هذه الملفات، وإن اختلفت الروايات بشأنها، شكلت جزءًا من الصورة العامة التي أحاطت بالتجربة، وأسهمت في تكوين رأي عام متباين حولها.

ماذا بعد؟

قد يغادر أخنوش المشهد الحكومي، لكن الأسئلة التي أثارتها تجربته ستظل مطروحة:
هل كان تجسيدًا لمرحلة انتقالية نحو تغليب منطق التدبير الاقتصادي على الصراع السياسي؟
أم أن تجربته كشفت حدود هذا النموذج في مجتمع يتطلع إلى تمثيل سياسي أكثر حيوية؟

التاريخ لا يُكتب فقط بلغة الأرقام والبرامج، بل أيضًا بلغة الرمزية والأثر في الوعي العام. وبين من يراه رجل أوراش اجتماعية كبرى، ومن يعتبره عنوانًا لبرودة سياسية غير مسبوقة، ستبقى تجربته موضوع تقييم مستمر.

وكما كتب نيكولو ميكيافيلي في كتابه الأمير، فإن الحاكم قد يختار أن يكون مهابًا أكثر من محبوب، لكن الخطر يكمن في أن يفقد الاثنين معًا. بين الهيبة والمحبة، وبين الإنجاز والتمثيل، سيتحدد الحكم النهائي على هذه المرحلة.

إلى أن تحسم السنوات القادمة في إرثها السياسي، سيظل السؤال مفتوحًا:
هل كانت تجربة صامتة ركزت على التدبير، أم محطة عمّقت الإحساس بأزمة السياسة ذاتها؟

أنت الان في اول موضوع
التنقل السريع